منتدى الحكمة
بسم الله الرحمن الرحيم و الصلاة و السلام على سيدنا محمد و على آله و صحبه . يرحب منتدى الحكمة التربوي بكل زواره الكرام



تفضل أخي الزائر بالتسجيل للمشاركة معنا .


منتدى تربوي عام للتواصل والنقاش الجاد و المثمر بين الفاعلين في الحقل التربوي
 
الرئيسيةالمجموعاتاليوميةس .و .جالبوابةبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 مفهوم الخيال عند الفارابي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
aziz dehani
عضو ممتاز
عضو ممتاز


عدد المساهمات : 77
تاريخ التسجيل : 09/10/2010
العمر : 38
الموقع : tiddas

مُساهمةموضوع: مفهوم الخيال عند الفارابي    السبت أكتوبر 09, 2010 7:10 pm

إذا كان الخيال على العموم , نشاطا إبداعيا خلاقا ,يحاول الإنسان بواسطته تفجير طاقاته الإبداعية ليكسبها جمالية وفنية ، علاوة على كونه ـ أي مفهوم الخيال ـ يمكننا من توسيع مجال معارفنا لتشمل اللا معبر عنه باللغة العادية ،بحيث بشكل الخيال صورا إبداعية ، تضفي معاني و قيم جديدة على مواضيعه , فهل هذا هو ما فهمه منه المعلم الثاني , الفارابي ؟.

ما هو الخيال عند الفارابي ,و ماهي الياته و أدواته ؟و ما هي المجالات التي وظف فيها الفارابي ذلك المفهوم ؟و ما مكانته من فلسفة الفارابي ككل ؟ تلك هي الأسئلة التي سنحاول معالجتها في الفصول التالية .

و مادام حديث الفارابي عن الخيال يقترن في جل نصوصه بحديثه عن القوة المتخيلة كقوة نفسية لدى الإنسان ,يسندلها الفارابي مهمة التخيل وإنتاج الخيالات , فقد خصصنا الفصل الأول من هذا البحث لمعرفة موقع القوة المتخيلة من النظرية السيكولوجية للفارابي ,و الخصائص المميزة لهذه القوة , و كذلك للبحث عن طبيعة علاقتها بالقوى النفسية الأخرى ,و بالخصوص القوة الحاسة و القوة الناطقة و القوة النزوعية محاولين معرفة كيفية اشتغالها و إنتاجها لخيالاتها و مدى فعاليتها في ذلك الإنتاج .و قد اقتصرنا في هذا الفصل على دراسة خصائص و مميزات القوة المتخيلة في حالة اشتغالها العادي اثناء اليقظة .

أما الفصل الثاني فقد قصرناه على دراسة طبيعة القوة المتخيلة أثناء المنام و فعاليتها في إنتاج الأحلام و المنامات , محاولين معرفة خصائصها و مميزاتها أثناء المنام ,و طبيعة علاقتها بقوى النفس الأخرى ( الحساسة و الناطقة و النزوعية ) و قد تطرقنا كذلك في هذا الفصل ،لتفسير الفارابي لبعض الظواهر الناذرة التي تحصل لبعض الناس اثناء اتصالهم بالعقل الفعال بتوسط المتخيلة ،كالكهانات و النبوة .وقدتساألنا ـفي هذا المجال ـ عن الشروط التي يفترضها الفارابي في مثل هؤلاء الناس و الكيفية التي يتم بها تلقي المتخيلة للمعرفة الواردة عليها من العقل الفعال .

و إذا كنا قد ركزنا في الفصلين الأول و الثاني ـفي دراستنا لمفهوم الخيال عند الفارابي ـ على الجانب السيكولوجي للخيال ، فإننا في الفصل الثالث حاولنا تبين مكانة و أهمية الخيال في ثلاث مجالات رئيسية ؛المجال الأخلاقي ،و المجال المنطقي و الأدبي ثم المجال السياسي .

و قد أثار انتباهنا و نحن ننجز هذا البحث بعض الدراسات الحديثة التي انصبت على دراسة مفهوم الخيال في الثقافة العربية ـ الإسلامية ـ مما دفعنا إلى التساؤل عن مدى صحتها و علميتها خاصة و أنها ـ أي تلك الدراسات ـ غالبا ما تصدر أحكاما تعميمية تشمل أحيانا الفلاسفة المسلمين كلهم ،أو علماء الكلام ،بل و قد تنطبق ـ في اعتقاد أصحاب هذه الدراسات ـ على الثقافة الإسلامية بكل تنوعاتها ؛فغرونباوم يذهب إلى أن النزعة العقلانية في الثقافة الإسلامية لا تمنح الخيال منزلة رفيعة ،و أن الفكر الإسلامي على وجه العموم لم يتخل عن علم النفس الأرسطي الذي يضع الخيال الإنساني مع القوى الحيوانية على صعيد واحد . كما يقول بأن (النظرة الكلامية أيدت هذا التهوين من شأن تلك القوة الخلاقة … فكيف ذلك من الجهود العقلية في الأعصر التالية ، حتى كاد ينجم عنه إنكار و استهجان لخيال الشعراء ) ، و يرى د . جابر أحمد عصفور أن ( القوة المتخيلة ـ عند الفلاسفة المسلمين ـ مقيدة بقيود الحس … و لا يمكن لحركة التخيل أن تنطلق وتتحرك دون مدركاته و معطياته . وفي ذلك تتجلى نقاط الضعف التي تعتور هذه القوة ، ويتولد كثير من سوء الظن في قيمة نشاطها الخلاق ). فإلى أي حد تنطبق هذه الأحكام على الفارابي ؟ .

أشير بهذا الصدد إلى أن غاية هذا البحث لن تكون ردا على هؤلاء الباحثين أو تزكية أطروحتهم فكل ما نتوخاه من إنجاز هذا البحث هو تقصي و دراسة مفهوم الخيال عند الفارابي و محاولة معرفة الخصائص التي يتميز بها و مختلف السياقات والمجالات التي وظف فيها الفارابي ذلك المفهوم و مكانته من فلسفة الفارابي ، اقتناعا منا بأن أي تنظير للتراث ، وأي تقييم له ـ أو لجانب من جوانبه ـ يجب أن تسبقه دراسات علمية جادة تحاول فهم ذلك التراث .

وقد اعتمدت أساسا في إنجاز هذا البحث على مقاربة مباشرة لنصوص الفارابي الأصلية دون الصدور عن رؤية ماضوية كل همها الماضي و الماضي فقط ، و دون الإنطلاق كذلك من هم فكري محض ، بل إنني أتوجه إلى التراث على أساس أني أعتقد أن هذا التراث لم يعرف بعد ، بمعنى أننا لا نعرف في الحقيقة التراث ، إنما نعرف ََ دراسات ََ تمت عن هذا التراث ـ قد تكون صائبة طبعا و لكن قد تكون أيضا خاطئة ، وهذا هو الغالب ـ . وهذا لم يمنعني من الإستعانة في تجاوز بعض الصعوبات بتأويلات بعض الباحثين ، حينما يتبن لي أنها تقربني من فهم النص الفارابوي .





مكانة الخيال في البنية السيكولوجية للإنسان عند الفارابي

وإننا و نحن نبحث عن ملامح الخيال عند الفارابي ،لسنا أمام مفهوم متضح المعالم ،أو بصدد دراسة مفهوم خصص له الفارابي حيزا خاصا في مؤلفاته .بل نجد أنفسنا أمام تداخل مكثف لعدة مفاهيم و أفكار ، مصاغة في سياقات و مجالات مختلفة ، يصعب فصل بعضها عن البعض الآخر ،مما يدعونا إلى الإحتراس الشديد أثناء دراسة مفهوم واحد من تلك المفاهيم حتى لا نخل بالمعنى .

ما هو موقع الخيال أو القوة المتخيلة من النظرية السيكولوجية للفارابي ؟ و ماهي الخصائص المميزة لهذه القوة ؟ وما طبيعة علاقتها بالقوى النفسية الأخرى و بالخصوص القوة الحاسة و القوة الناطقة و القوة النزوعية ؟كيف تشتغل و كيف تنتج خيالاتها ؟و هل لها فعالية في هذا الإنتاج تلك هي الأسئلة التي سنحاول معالجتها في هذا الفصل .

إن الحديث عن الخيال عند الفارابي نجده ـ في جل نصوصه ـ مقترنا بالقوة المتخيلة ، و لعل دلالة هذا أن الفارابي بصدد حديثه عن الخيال لا يعتبره مفهوما مجردا عن كل تعيين ، بل يربطه بتصوره البيولوجي و السيكولوجي للإنسان ، كما أنه لا يورد كلمة (قوة )أو (قوى )أثناء حديثه عن الموجودات الإلهية أو الأجسام السماوية ،بل يتحدث في هذا المجال عن (نفوس ) أو (عقول ) أما ذكره لكلمة قوة فيأتي حين حديثه عن الأجسام الهيولانية في مستواها البيولوجي و السيكولوجي ، ولعل دلالة هذا التميز هو أن هذه القوى محايثة للمادة و غير مفارقة لها . من هنا يمكننا الحديث ـ في إطار السيكولوجيا الفارابية ـ عن التداخل بين المستوى البيولوجي للإنسان و المستوى السيكولوجي من جهة ، و بين المستوى السيكولوجي و المستوى الميتافيزيقي من جهة أخرى . كما يمكننا أن نميز في هذا التداخل بين صنفين من القوى النفسية للإنسان :

ـ1 ـ الصنف الأول يتبين فيه تقاطع بين البيولوجيا و السيكولوجيا ، وهو خاص بالقوة الغاذية و القوة الحاسة ..

ـ 2 ـ والصنف الثاني تتقاطع قيه البيولوجيا والسيكولوجيا و الميتافيزيقا و يقتصر على القوة المتخيلة والقوة الناطقة .

تأتي القوة المتخيلة في المرتبة الثالثة في سلسلة القوى التي تكون طبيعة الكائن البشري بعد القوة الغاذية والقوة الحاسة . ومما يميز القوة المتخيلة هو أنها لآتحتوي على ََ رواضع ََ أو ََ خدم ََ كما هو الشأن بالنسبة للقوتين الغاذية و الحاسة . فهي قوة داخلية في الإنسان ليس لها آلات خارجية تتصل بالوجود الخارجي المنفصل عن الذات ، فهذه من مهام الحواس التي تنقل الإنطباعات الحسية الخارجية للحاسة الرئيسية المصطلح عليها في السيكولوجيا القديمة بالحس المشترك ، والتي تقوم بمهمة التنسيق بين الخصائص الحسية للشيء المدرك من طرف الحواس حتى تكتمل الصورة الحسية المطابقة لوجود ذلك الشيء ، فتقوم الحاسة المشتركة بإيصال تلك الصورة الحسية للقوة المتخيلة .

فالقوة المتخيلة < < يحفظ بها _ الإنسان _ ما ارتسم في نفسه من المحسوسات بعد غيبتها عن مشاهدة الحواس لها …>> فهي بمثابة مستودع لكل الصور الحسية التي تدركها الحواس . و الفرق بين هذه المتخيلة و القوة الحاسة ،هو أن إدراك هذه الأخيرة و القوة الحاسة ،هو أن إدراك هذه الأخيرة للشيء متآن مع مثول ذلك الشيء أمامها ، أما المتخيلة فتتلقى صور المحسوسات من قبل القوة الحاسة و تحتفظ بها منعزلة عن تجسداتها الأصلية مما يجعلها تلعب دورا هاما في التجريد النسبي للصور الحسية عن ارتباطها بالمادة ، حيث تقوم بتنقية المحسوسات و تصفيتها نسبيا من علائقها الحسية و عوارضها المشخصة .مادامت القوة المتخيلة تقوم بمهمة حفظ المحسوسات ،ألا يمكن القول بأن المتخيلة ذاكرة ؟ وإن كانت كذلك ، ما هي مميزات هذا الذكر و ما طبيعته ؟ و هل وظيفة الحفظ أو الذكر عند الفارابي ترتبط بالقوة المتخيلة أم مستقلة عنها ؟ .

إن إدراك القوة الحاسة لصور المحسوسات _ كما بينا سابقا _ يكون متآنيا مع مثول تلك المحسوسات أمام الحاسة ، فهي لا تحتفظ بالصورة الحسية بعد إدراكها لها ، فهذه خاصية تتميز بها المتخيلة ، حيث تحتفظ بتلك الصور الحسية بعد غيبتها عن مشاهدة الحواس لها و من ثم يمكن القول بأن القوة المتخيلة حافظة ، مادام الحفظ إنما هو لم يزل قائما بالنفس من وقت إدراكه في الزمان الماضي إلى الزمن الحاضر .

ويبدو أن الفارابي يميز بين المتخيلة و الذكر حين يقول : (وقوة تسمى حافظة و هي خزانة ما يدركه الوهم كما أن القوة المصورة خزانة ما يدركه الحس ). وقوة الذكر ليست كالمتخيلة ، لأن هذه الأخيرة تصور الصور دون أن تحققها القوة الوهمية أو تنسقها تنسيقا يلائم الحس. و بتعبير آخر إن الفرق بين القوتين هو أننا في حالة تصوير الصورة لا نحتاج إلى استعمال الحكم بينما في فعل الذكر تحتاج إلى استعمال الحكم.

انطلاقا مما سبق يمكن أن نخلص إلى أن القوة المتخيلة عند الفارابي ليست ذاكرة و لا تمتلك قوة الذكر فهي تعمل فقط الصورة الحسية و لعل عملية الحفظ التي تقوم بها المتخيلة تبدو واضحة جدا في المثال الذي يذكره الفارابي و ابن سينا في أكثر من موضوع من مؤلفاتهما ، وهو مثال الخروف و الذئب : فالخروف يرى الذئب بواسطة الحس المشترك ثم يختزن صورة الذئب في المتخيلة ، ويدرك معنى عداوة الذئب له بواسطة قوة الوهم . وهي القوة التي ( تدرك من المحسوس ما لا يحس بالحاسة مثل القوة التي في الشاة إذا اشتبهت صورة الذئب في حاستها و تشبهت عداوته ردائته إذ الحاسة لا تدرك ذلك )).

والقوة المتخيلة لا تقوم بتلقي الصور الحسية الواردة عليها من طرف الحواس و حفظها بشكل سلبي فقط بل لها دور إيجابي وفعال يتميز بنوع من الإبداع و الخلق ، (تركب المحسوسات بعضها إلى بعض ، و تفصل بعضها عن بعض ،تركيبات و تفصيلات مختلفة ، بعضها كاذبة بعضها صادقة ) فالمتخيلة تعيد تركيب المحسوسات المختزنة لديها تركيبا جيدا حيث تتجاوز المعطى الخارجي كما تنقله لنا الحواس ، كما أن لها القدرة على فصل المحسوسات بعضها عن البعض الآخر ، فإن النفس تحصل فيها معقولات و خيالات المحسوسات كما أحست مثل خيال لا زيد في الحس ، و أشياء أخرى تخترعها النفس بتركيب الخيالات بعضها إلى بعض مثل عنزاييل و أشباهه.وبذلك تنتج لنا القوة المتخيلة صورا خيالية (( يتفق في بعضها أن تكون موافقة لما حس ، و في بعضها أن تكون مخالفة للمحسوس )) و نلاحظ بهذا الصدد أن عملية حفظ الصور الحسية _ الواردة من القوة الحساسة _ من طرف القوة المتخيلة ، سابق زمنيا لقيامها بتركيب و فصل الصور الحسية ، لذلك يمكن أن نميز بين لحظتين في عمل القوة المتخيلة :

_ لحظة أولى تكون فيها القوة المتخيلة منفعلة بما تتقبله من الصور المحسوسة من طرف القوة الحاسة ، حيث تعمل على حفظها و اختزانها ،و تتميز و تتميز الصور المتخيلة أثناء هذه اللحظة بمطابقتها و موافقتها للمحسوسات و تخضع لنفس الشروط التي تحكم عالم المحسوسات . و بذلك تتميز هذه الصور الخيالية بالصدق .

_ و لحظة ثانية تتميز فيها المتخيلة بالخلق و الإبداع ، حيث تقوم بعمليتي فصل أو تركيب الصور الحسية المختزنة لديها ،فتنتج صورا خيالية غير مطابقة لوجود المحسوسات كأن نتخيل إنسانا ذا جناحين ، و القوة المتخيلة في هذه اللحظة غير محكومة بنفس القوانين التي تنتظم العالم الحسي ، كما أنها لا تخضع بالضرورة لقانون السببية الذي يفترض وجود ترابط ضروري بين الأسباب و المسببات ، و بذلك تخترق المتخيلة كل الحدود التي تفصل الممكن عن المستحيل و الصواب عن الخطأ .

أما علاقة القوة المتخيلة بالقوة الناطقة عند الفارابي فتبدو أكثر تعقيدا من علاقة المتخيلة بالحاسة ،نظرا لتعقيد نظرية العقل عند الفارابي و تشعبها ، و لكونها كذلك تطرح _ كما ألمحنا إلى ذلك سابقا _ في إطار تتداخل فيه البيولوجيا بالسيكولوجيا و الميتافيزيقا .

عالج الفارابي مشكلة العقل في مواضع متفرقة من كتبه ،و جعل العقل على أربع درجات ؛ العقل بالقوة و العقل المستفاد و العقل الفعال ،و مادامت إشكالية العقل عند الفارابي ليست موضوع اهتمامنا في هذا البحث فسنحاول الإقتصار فقط على تبين العلاقة التي تربط مفهوم الخيال بنظرية العقل عند الفارابي ، كيف ينتقل العقل الهيولاني _ الذي هو أول مراتب العقل الإنساني _ من القوة إلى الفعل ؟ و ما دور القوة المتخيلة في هذا الإنتقال ؟ و للإجابة على هذين السؤالين لابد من أن نتبين كيف يعقل الإنسان معقولاته مع التركيز على دور القوة المتخيلة في نيل هذه المعقولات و عقد مقارنات _ إن أمكن ذلك _ بين المتخيلة و العقل الإنساني من حيث الخصائص التي يتميز بها كل منهما .

أما العقل الإنساني ( فإنه هيئة ما في مادة معدة لأن تقبل رسوم المعقولات : فهي بالقوة عقل و عقل هيولاني ) ، و حصول هذه الهيئة الطبيعية هي ( أول الرتبة التي بها الإنسان إنسان … وهذه هي المشتركة للجميع ) ،فهذا العقل يتميز بالفطرية إلا أنها فطرة لها مميزات خاصة تختلف عن فطرية القوة المتخيلة، رغم أنهما يشتركان في كون الحصول عليهما "أي العقل الهيولاني والمتخيلة" لا يتطلب مجهودا نظريا أو عمليا. إلا أن العقل الهيولاني يتميز إضافة إلى ذلك بكونه مشتركا بين الجميع، أي أنه موجود عند جميع الناس بشكل متساو، أما القوة المتخيلة فرغم فطريتها فإنها لا توجد عند الجميع بشكل متساو، حيث أن هناك مراتب في كمال القوة المتخيلة –كما سنرى فيما بعد-.

ولتحقيق ذاته وانتقاله إلى الفعل يتعين على العقل الهيولاني القيام أو الخضوع لثلاث عمليات:

أ ـ أن يجرد الموجودات عن موادها وينتزع ماهياتها( فالعقل الذي بالقوة هو… شيء ما ذاته معدة أو مستعدة لأن ينزع ماهية الموجودات كلها، وصورها دون موادها فتجعلها كلها صورة لها… وتلك الصور المنتزعة عن موادها هي المعقولات).

ب ـ أن يقبل المعقولات الخارجة إلى الفعل.

ج ـ أن يعي ذاته.

فالعقل الهيولاني إذن يتميز بالاستعداد في ثلاث اتجاهات: نحو قبول المعقولات، ونحو انتزاع المعقولات، ولأن يصير هو نفسه عقلا بالفعل، وهذه العمليات مرتبطة ارتباطا جوهريا، لأن حصول إحداها هو تحقق في نفس الوقت للعمليتين الأخريين.

ينتقل إذن العقل الهيولاني إلى عقل بالفعل عندما يتلقى القدرة على الفعل من طرف العقل الفعال، فإذا قام بانتزاع صور وماهيات الموجودات، تصبح معقولات بالفعل بعد أن كانت معقولات بالقوة، ويصير العقل الهيولاني –الذي أصبحت تلك المعقولات صورا له- عقلا متحققا بالفعل. ونلاحظ بهذا الصدد أن عملية تشكيل العقل بالفعل تكون متآنية مع تشكيل المعقول بالفعل من طرف العقل، (فهذا معنى العقل بالفعل . فإذا حصلت فيه المعقولات التي انتزعها عن المواد، صارت تلك المعقولات بالفعل… وتلك الذات إنما صارت عقلا بالفعل بالتي هي بالفعل معقولات. فإنها معقولات بالفعل، وإنها عقل بالفعل شيء واحد بعينه)… (يُتبع لاحقا)
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
مفهوم الخيال عند الفارابي
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الحكمة :: منتدى علوم التربية :: منتدى علوم التربية-
انتقل الى: